العيني

297

عمدة القاري

وكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إلى عائشَةَ بالدُّرْجَةِ فِيها الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةَ فَتَقُولُ لا تعْجَلْنَ حتَّى تَرَيْنَ القَصةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ مطابقته للترجمة في قولها : ( حتى ترين القصة البيضاء ) ، فإنها علامة إدبار الحيض ، وهذا الأثر ذكره مالك في ( الموطأ ) فقال : عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت : ( كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيها الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة فتقول لهن : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ، تريد الطهر من الحيضة ) . وقال ابن حزم : خولفت أم علقمة بما هو أقوي من روايتها ، واسم : أم علقمة ، مرجانة سماها ابن حبان في ( كتاب الثقات ) . وقال العجلي : مدنية تابعية ثقة . وفي ( التلويح ) : كذا ذكره البخاري هنا معلقا مجزوما ، وبه تعلق النووي فقال : هذا تعليق صحيح لأن البخاري ذكره بصيغة الجزم ، وما علم أن هذه العبارة قد لا تصح كما سبق بيانه في كثير من التعليق المجزوم به عند البخاري ، ولو نظر كتاب ( الموطأ ) لمالك بن أنس لوجده قد قال : عن علقمةِ إلى آخره ، ولو وجده ابن حزم لما قال : خولفت أم علقمة بما هو أقوى من رواياتها . قلت : حاصل كلامه أنه يرد على النووي في دعواه الجزم به ، ولهذا قال ابن الحصار : هذا حديث أخرجه البخاري من غير تقييد . قوله : ( وكن نساء ) ، بصيغة الجمع للمؤنث ، وفيه ضمير يرجع إلى النساء ، ويسمى مثل هذا الضمير بالضمير المبهم ، وجوز ذلك بشرط أن يكون مشعرا بما بعده ، فإذا كان كذلك لا يقال : إنه إضمار قبل الذكر . قوله : ( نساء ) ، بالرفع لأنه بدل من الضمير الذي في : ركن ، وهذا على لغة : أكلوني البراغيث . وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ كن إشارة إلى التنويع ، والتنوين فيه يدل عليه . والمراد أن ذلك كان من بعضهن لا من كلهن . وقال بعضهم : والتنكير في النساء للتنويع . قلت : إن لم يكن هذا مصحفا من الناسخ فهو غلط لأنه ماثم كسر في النساء ، وإنما فيه الرفع كما ذكرنا ، أو النصب على الاختصاص ، لا يقال : إنه نكرة وشرط النصب على الاختصاص أن يكون معرفة ، لأنا نقول : جاء نكرة كما جاء معرفة . وقال الهذلي : * ويأوي إلى نسوة عطلوشعثا مراضيع مثل السعالي . * قوله : ( بالدرجة ) ، بضم الدال وسكون الراء . قاله ابن قرقول . وقيل بكسر الدال وفتح الراء ، وعند الباجي بفتح الدال والراء . قال ابن قرقول : وهي بعيدة عن الصواب . وقال أبو المعاني في كتاب ( المنتهى ) : والدرج ، بالتسكين : خفش النساء ، والدرجة شيء يدرج فيدخل في حيا الناقة ، ثم تشمه فتظنه ولدها فتراه ، وكذا ذكره القزاز ، وصاحب ( الصحاح ) وابن سيده زاد : والدرجة أيضا خرقة يوضع فيها دواء ثم يدخل في حيا الناقة ، وذلك إذا اشتكت منه . وفي ( الباهر ) : الدرجة بالكسر ، والإدراج جمع : الدرج ، وهو سفط صغير . والدرجة مثال رطبة . وفي ( الجمهرة ) لابن دريد : الدرج سفط صغير تجعل فيه المرأة طيبها وما أشبهه . وقال ابن قرقول : ومن قال بكسر الدال وفتح الراء فهو عنده جمع درج ، وهو سفط صغير نحو خرج وخرجة ، ونحو ترس وترسة . قوله : ( الكرسف ) بضم الكاف وإسكان الراء وضم السين المهملة ، وفي آخره فاء : وهو القطن ، كذا قاله أبو عبيد . وقال أبو حنيفة الدينوري في كتاب ( النبات ) : وزعم بعض الرواة أنه يقال له : الكرسف ، على القلب ، ويجمع الكرفس على كراسف . وفي ( المحكم ) : إنما اختير القطن لبياضه ، ولأنه ينشف الرطوبة فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره . قوله : ( فتقول ) أي عائشة ، رضي الله تعالى عنها . قولها : ( لا تعجلن ) بسكون اللام نهي لجمع مؤنث مخاطبة ، ويأتي كذلك للجمع المؤنث الغائبة ، ويجوز ههنا الوجهان . وكذا : ( في ترين ) فافهم . قولها : ( حتى ترين ) صيغة جمع المؤنث المخاطبة ، وأصلها : ترأين ، على وزن : تفعلن ، لأنها من : رأى يرأى رؤية بالعين ، وتقول للمرأة : أنت ترين ، وللجماعة : أنتن ترين ، لأن الفعل للواحدة والجماعة سواء في المواجهة في خبر المرأة من بنات الياء ، إلاَّ أن النون التي في الواحدة علامة الرفع ، والتي في الجمع نون الجمع . فإن قلت : إذا كان أصل : ترين ترأين ، كيف فعل به حتى صار : ترين ؟ قلت : نقلت حركة الهمزة إلى الراء ، ثم قلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار : ترين ، على وزن : تفلن ، لأن المحذوف منه عين الفعل وهو الهمزة فقط ، ووزن الواحدة : تفين ، لأن المحذوف منه عين الفعل ولامه . قولها : ( القصة البيضاء ) ، بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة ، وفي تفسيرها أقوال . قال ابن سيده : القصة والقص والجص ، وقيل : الحجارة من الجص . وقال